الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

458

المنقذ من التقليد

فعلى الحالات كلّها يتحقّق ظهور خرق عادة من جهته تعالى عليه : إمّا نفس القرآن أو تخصيصه بالعلوم التي بها تمكّن من مثل القرآن في الفصاحة أو صرف القوم ، ويثبت بذلك صدقه . وإذا ثبت صدقه وقال : إنّ القرآن كلام اللّه ومن فعله تعالى ، يلزم « 1 » ذلك بقوله ولا يلزم « 2 » الدور على ما قدّره السائل . ولكن هذا التقسيم إنّما يتمّ إذا أجبنا عن سؤال الجنّ ، وسنجيب عنه بما أجاب به القائلون بفرط الفصاحة ، ونذكر ما عندنا فيه إن شاء اللّه تعالى فيما بعد عند الكلام في جهة إعجاز القرآن . وبعد ، فلو لو لم يكن في ظهور القرآن عليه ما ينقض العادة لكان مثل كلامهم أو مقاربه ، وكان ذلك مانعا من أن يجري على قلبه أو يدور حول خاطره أن يدّعي بحضرة العرب العارفين بالفصاحة أنّ الجنّ والإنس لا يقدرون على معارضته والإتيان بمثله وأن ذلك دلالة صدقه في دعواه النبوّة ، كما لا يجوز أن يخطر بباله أن يدّعي بحضرة العقلاء الأصحاب المتصرّفين الماشين في مسالكهم وطرقاتهم أنّ الناس لا يقدرون أن يمشوا مثل مشيته وأنّ مشيته دليل نبوّته ، لأنّ مثل هذا مكابرة وقحة ، لا ينتهي أحد إليها ، سيّما وقد كفي مئونة الاحتجاج بدخول العرب والعجم في دينه ، إمّا بحجّة غير القرآن أو بلا حجّة بزعم الخصم . ولو أنّ وقحا مكابرا يفعل مثل ذلك لأنكره عليه أكثر الناس من أوليائه وأعدائه والطالبين المسترشدين . أمّا الأولياء ، فللإشفاق عليه من افتضاحه ؛ وأمّا الأعداء ، فللاحتجاج به عليه ؛ وأمّا الطالب المسترشد ، فلظهور الأمر فيه أنّه ليس بحجّة ولا شبهة . وجملة الأمر : أنّه لا بدّ في مثل هذا الرأي أن يخالف فيه جماعة ويذهب إلى

--> ( 1 ) م : يعلم . ( 2 ) م : يلزمنا .